قال أمجد مجدي، الباحث الأول في هيومن رايتس ووتش لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن مصر تواجه أزمة بنيوية في دمج الأشخاص ذوي الهمم داخل سوق العمل، حيث تتقاطع التشريعات غير المنفذة مع ممارسات تمييزية تعمّق الفقر وتحد من فرص التمكين الاقتصادي، في وقت تشير فيه البيانات إلى اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الفعلي.
وتستند هذه المادة إلى تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش الذي يوثق استمرار العراقيل أمام حق العمل للأشخاص ذوي الهمم في مصر، رغم صدور قانون 2018 الذي يفترض أن يضمن نسب توظيف وإتاحة فرص متساوية، إلا أن ضعف التنفيذ وغياب الرقابة الفعالة يضعان ملايين الأشخاص أمام بطالة مقنعة وإقصاء اقتصادي واسع.
فجوة قانونية وتنفيذية تعيد إنتاج الإقصاء
تفاقمت أزمة إدماج ذوي الهمم في سوق العمل المصري نتيجة قصور تطبيق قانون حقوق الأشخاص ذوي الهمم رقم 10 لعام 2018، إذ يفرض القانون على المؤسسات تخصيص 5% من الوظائف لهذه الفئة، بينما تشير الوقائع إلى التزام شكلي لا يترجم إلى فرص عمل حقيقية. ويستمر أصحاب العمل في تجاهل الالتزامات القانونية أو التحايل عليها، ما يؤدي إلى استمرار معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى نحو نصف الأشخاص ذوي الهمم في سن العمل.
وتكشف الشهادات الميدانية عن بيئة عمل غير مهيأة، حيث يواجه العاملون غياب التسهيلات الأساسية مثل الممرات المناسبة أو دورات المياه المجهزة أو وسائل الدعم السمعي والبصري. ويُفاقم هذا الوضع شعوراً متزايداً بالإقصاء الاجتماعي، إذ يُعامل كثير من الأشخاص ذوي الهمم كعبء اقتصادي بدل اعتبارهم قوة إنتاجية محتملة.
كما تعكس الإحصاءات الرسمية أن نسبة كبيرة من ذوي الهمم لا تكمل التعليم الثانوي، ما يحد من فرصهم في المنافسة داخل سوق عمل يتطلب مهارات متقدمة، في حين ترتبط هذه الفجوة التعليمية مباشرة بضعف السياسات الداعمة للتعليم الشامل.
توظيف صوري واستغلال اقتصادي داخل بيئة العمل
ينتشر نمط واسع من التوظيف الشكلي الذي تلجأ إليه بعض المؤسسات لتحقيق النسبة القانونية دون تقديم وظائف فعلية، حيث يُسجَّل الأشخاص ذوو الهمم كموظفين دون إسناد مهام حقيقية لهم، أو يُكلفون بأعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية. ويؤدي ذلك إلى حرمانهم من التدريب والتطور المهني، ويحوّلهم إلى قوة عمل هامشية داخل المؤسسات.
وتظهر شهادات متعددة أن بعض العاملين يتقاضون أجوراً منخفضة تقل عن الحد الأدنى للأجور، في حين يُستخدمون فقط لتجنب العقوبات القانونية. ويُفاقم هذا الوضع شعور الإحباط وفقدان الاستقلالية الاقتصادية، خاصة في ظل غياب آليات رقابة فعالة على التوظيف العادل.
كما يواجه كثير من الأشخاص ذوي الهمم رفضاً مباشراً خلال التقديم للوظائف بسبب تصورات نمطية تعتبرهم أقل إنتاجية، ما يعكس استمرار ثقافة تمييزية داخل سوق العمل، رغم النصوص القانونية التي تحظر ذلك صراحة.
بطاقات الخدمات المتكاملة والحماية الاجتماعية: عراقيل إدارية تعمّق الفقر
تفرض الدولة الحصول على “بطاقة الخدمات المتكاملة” كشرط أساسي للاستفادة من الخدمات الحكومية وفرص العمل والدعم الاجتماعي، إلا أن إجراءات استخراجها تتسم بالتعقيد والبطء وارتفاع التكلفة، ما يحد من وصول شريحة واسعة من المستحقين إليها. وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من الأشخاص ذوي الهمم لا تمتلك هذه البطاقة أو لا تعلم بوجودها أصلاً.
ويؤدي ضعف الوصول إلى هذه البطاقة إلى حرمان الكثيرين من برامج الدعم النقدي والخدمات الصحية والتعليمية، ما يعمّق مستويات الفقر بينهم، حيث يعيش عدد كبير منهم تحت خط الفقر وفق دراسات مستقلة. كما تتفاقم المشكلة بسبب اشتراطات طبية وإدارية صارمة لا تراعي الفهم الاجتماعي للإعاقة، بل تركز على التشخيص الطبي فقط.
وتؤدي هذه القيود إلى خلق حلقة مغلقة من الإقصاء، حيث يصعب على الأشخاص ذوي الهمم دخول سوق العمل دون دعم، بينما يحرمهم غياب الدعم من القدرة على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
في المحصلة، تكشف الأوضاع الحالية أن أزمة دمج الأشخاص ذوي الهمم في مصر لا ترتبط فقط بضعف التشريعات، بل بغياب تطبيق فعّال يضمن المساواة ويكسر الصور النمطية داخل سوق العمل. ويؤدي استمرار هذا الوضع إلى خسارة الاقتصاد المصري لطاقة بشرية كبيرة يمكن أن تسهم في الإنتاج والنمو إذا ما أتيحت لها بيئة عمل عادلة وشاملة.
https://www.hrw.org/news/2026/06/01/egypt-barriers-to-work-for-people-with-disabilities

